م.د. ساره فاضل صالح مهدي
ثانوية المتفوقات الثانية للبنات في كربلاء
يعد الحزب النازي من الاحزاب الدكتاتورية الشمولية التي حكمت في المانيا خلال المدة ما بين (1933-1945)، وقد تبنى ذلك الحزب افكار الزعيم النازي ادولف هتلر القومية العنصرية المتطرفة، واستطاع الحزب منذ تأسيسه في المانيا عام 1920 من بذل جهود حثيثة للسيطرة على المجتمع الالماني وجميع مؤسسات الدولة ومنها المؤسسات التي تختص بالتربية والتعليم في المانيا بهدف ترسيخ الافكار النازية في نفوس الشباب وتسخيرهم لصالح تنفيذ اجندة الحزب.
كتب ادولف هتلر كتابه المشهور المعنون كفاحي اثناء اعتقاله في السجن على اثر مشاركته في محاولة انقلابية ضد حكومة فايمار الالمانية عام 1923، وقد تطرق في ذلك الكتاب الى سيرته الشخصية مبينا جهوده التي بذلها من اجل خدمة بلاده، فضلا عن ذلك فقد طرح افكاره السياسية العنصرية التي كان يعتقد بها، واكد على ضرورة استغلال التربية والتعليم من اجل خدمة بلاده وتحقيق اهداف الحزب النازي، وبين ادولف هتلر في ذلك الكتاب ان من الضروري اصلاح نظام التعليم في المانيا بإجراءات عدة ومنها عدم الاهتمام بتدريس المواد العلمية مثل الفيزياء والكيمياء والرياضيات للطلبة الذين لا يرغبون التخصص في فروع علمية تتطلب منهم دراسة تلك المواد، واكد على ضرورة الاهتمام بثقافة الطالب وتدريسه العلوم الانسانية ولا سيما علم التاريخ، كما اكد على ضرورة ان توجه الدولة نظام التعليم في البلاد بما يصب في صالح انماء العزة القومية، وبين ان التاريخ الشامل وتاريخ الحضارة يجب ان يتجها هذا الاتجاه، واكد على ضرورة ان يسلط المؤرخين الضوء على امجاد تاريخ البلاد وعلى الشخصيات التي قدمت خدمات جليلة لألمانيا، وعبر عن ذلك بقوله: ” يجب ان يسلط المؤرخ اضواء كافية على نوابغ شعبنا لتمتلئ صدور المواطنين بالفخر والاعتزاز حتى اذا غادروا معاهد التعليم عملوا لوطنهم كألمان يريدون ان يضيفوا الى امجاد الماضي امجادا” كما كان هتلر يرى ضرورة ان يحرص نظام التعليم في المانيا على تعليم الطلبة بان العرق الاري افضل الاعراق وان الالمان هم افضل شعوب العالم وبين ذلك في كتابه كفاحي بقوله: “تبلغ الدولة العنصرية غايتها كمعلم ومرب يوم تنعش في قلب الناشئة فكرة العرق، بحيث لا يغادر مقعد التحصيل فتى الا وهو مقتنع بان نقاء الدم هو ضرورة حيوية”، كما اكد على ضرورة توجيه الطلبة وتعليمهم ما ينفع سياسة الحزب النازي ومصالحه وان المؤسسات المسؤولة عن التربية والتعليم في البلاد يجب عليها عدم الاكتفاءبـ”حشو الادمغة بالعلم”، على حد قوله، بل ان مهمتها الرئيسة تنشئة السجايا وانماء قوة الارادة والقدرة على التصميم لدى الطلبة، وان من الضروري ان تهتم الدولة بالنخبة كونهم حسب تعبيره يمثلون “ثمرة زواج الكفاءة والمعرفة” ويجب ان لا تتيح التعليم العالي لغيرهم، من ابناء العرق المتفوق بهدف وضع مواهبهم في خدمة الحضارة.
واكد الحزب النازي على استغلال التربية والتعليم بالشكل الامثل الذي يجعل الشباب خاضعين للحكومة وسياستها، لذلك فرض على مدراء المدارس الالتزام بمجموعة اجراءات ومنها رفع العلم النازي مع الصليب المعقوف بكل مدرسة، وفي جميع الأوقات، وتعليق صورة هتلر في كل غرفة صف بالمدرسة، وعلى جميع الطلبة ترديد تحية يحيا هتلر”هاي هتلر” قبيل بدء الدرس، وعدم قبول تسجيل أي طفل في المدرسة الا اذا كان ألمانيا أصيلا.
اعتقد زعماء الحزب النازي بضرورة نشر الافكار التي تمجد الفكر النازي عن طريق التعليم لان ذلك سوف يساهم بشكل فعال في خدمة الدولة، وكان هتلر يرى ان التشبع بالعلوم النظرية غير كاف لان يؤهل المرء لاحتلال مركز قيادي في المجتمع وان عظمة المفكر وواضع المنهاج تقوم على المعرفة وسن الشرائع العادلة، اما المنظم فيجب ان يكون رجلا عمليا، اي له معرفة بسلوك البشر، ويكون قادر على معالجة القضايا بشكل موضوعي، ويرى هتلر ان رفع شعبية الحزب النازي باعتباره حزب ثوري يسعى للسيطرة على الحكم ينبغي ترسيخ افكاره في المجتمع عن طريق التعليم ويقول في ذلك: ” يكتب الفوز لحركة ثورية اذا مهد لها بتعليم الشعب كله مفهوما جديدا للكون والحياة، او يفرض هذا المفهوم فرضا عند الاقتضاء… في كل حركة ذات رسالة انقلابية يتعين على الدعاة نشر مبادئ الحركة وترسيخها في اذهان الناس، او السعي على الاقل لزعزعة العقائد القديمة”.
ويعتقد هتلر ان من المهام الرئيسة للمدرسة، بالإضافة الى تدريس المواد العلمية النظرية، هي تكريس جهودها من اجل تخصيص الوقت اللازم لتعليم الرياضة البدنية، على ان يمتد ذلك لساعات، وان تكون دروس الرياضة البدنية اجبارية على الطلاب كون تلك التمارين تنشط العقل والجسم معا، ويرى انه لا يجوز ان يمر يوم من حياة المواطن الالماني منذ طفولته دون ان يمارس الرياضة مدة ساعتين في اقل تقدير، وبين ان القوة البدنية تساعد الفرد بالانتصار على اعدائه ويعتقد ان رياضة الملاكمة على سبيل المثال تنمي لدى الفرد روح الكفاح وتروض العقل على التصميم والتنفيذ بسرعة خاطفة وتجعل الجسم صلبا دون ان يفقد شيئا من مرونته.
وفرض قانون الخدمة المدنية لعام 1937 على جميع الكوادر التعليمية في البلاد ان يكونوا منفذي ارادة النظام النازي، والدفاع عنه دون تحفظ، وبموجب التعليمات التي اصدرتها الحكومة فرض على الكوادر التعليمية تطبيق القوانين العنصرية التي اصدرتها الحكومة، ولا سيما ضد اليهود، وقد منع اليهود من العمل في مجال التعليم، وفرض على جميع العاملين في مهنة التعليم تأدية القسم بان يكونوا موالين ومطيعين الى ادولف هتلر، وفرض على كل شخص يرغب العمل بالتعليم قضاء مدة ستة اسابيع في معسكر للمراقبة حيث يقوم اشخاص نازيين مختصين بدراسة افكاره وآرائه واخلاقه وتقديم تقارير عنه الى وزارة التعليم وعلىاساس ذلك التقرير يتم السماح له، او رفضه، في ممارسة مهنة التعليم استنادا الى اخلاصه للحزب النازي واستعدادهلتطبيق أيديولوجية ذلك الحزب.
شكل النازيون منظمات لتدريب الشباب على الولاء والطاعة للنظام مثل منظمة شباب هتلر Hitlerjugendورابطة الفتيات الألمانيات Bund Deutscher Mädel ، وكان واضعي المناهج في المدارس يؤكدون على ترسيخ فكرتان تربويتان أساسيتان في نفوس وأدمغة الشباب: الاولى الإحساس بالعرق، والثانية إعداد الشباب الألماني للحرب من أجل النصر أو الموت، وكان الهدف الرئيس للتعليم هو ترسيخ افكار الحزب النازي في نفوس الشباب بحيث يصبحون مستعدين لتنفيذ ارادته دون تردد.
وخلال المدة الواقعة ما بين (1838-1842) أصدرت الحكومة مجموعة قوانين عززت بموجبها سطوتها على التعليم، وتم بموجبها تقليل عدد المدارس، وتغيير المناهج الدراسية، واكدت على اهمية التمسك بالنظريات والافكار العنصرية التي تبين تفوق الالمان على باقي البشر، وبعد عام 1942، انخفضت مثل هذه الاجراءات بشكل ملحوظ وذلك بسبب تكريس الحكومة جهودها لدعم المجهود الحربي. وكانت الافكار العنصرية من أكثر الإضافات إثارة للدهشة إلى المناهج المدرسية النازية. والتي سعى النازيون من خلالها الى نشر افكار تجرد اليهود من إنسانيتهم، وتم تأليف بعض الكتب المدرسية عن هذا الموضوع.
من خلال ما سبق يتضح لنا ان النازيين بذلوا جهودا حثيثة من اجل فرض سيطرتهم على التربية والتعليم خلال حكمهم في المانيا ولا سيما في فترة ما بين الحربين (1919-1939) بهدف ترسيخ افكار الحزب النازي في نفوس الشباب الالمان وتسخير ذلك لخدمة تنفيذ ايديولوجية ذلك الحزب واهدافه.
