بين تقلبات أسعار النفط والتوترات الإقليمية… الاقتصاد العراقي في متاهة معقدة

د. جواد الرومي

يواجه الاقتصاد العراقي مرحلة حرجة، حيث تتقاطع المخاطر الجيوسياسية مع التحديات الاقتصادية في بلد يعتمد بشكل شبه كامل على إيرادات النفط.

ومع تصاعد المخاوف من ضربة أميركية محتملة على إيران وتقلبات أسعار الخام العالمية، يقف العراق أمام اختبار مصيري لإدارة موازنته وتحقيق الاستقرار المالي، ما يجعل تنويع الاقتصاد والإصلاحات العاجلة ضرورة ملحة لتفادي تداعيات كارثية على الأسواق والمالية العامة ويقف البلد اليوم في متاهة معقدة، الخروج منها لا يتطلب فقط إدارة آنية للأزمات، بل رؤية طويلة الأمد تعيد بناء العلاقة بين الدولة والاقتصاد على أسس إنتاجية مستدامة.

وكلما طال أمد الاعتماد الأحادي على النفط، بقي الاقتصاد عرضة لرياح الأسواق وعواصف الشرق الأوسط، وكلما تسارع مسار الإصلاح والتنويع، ازدادت فرص الاستقرار والنمو في بيئة لا تخلو من المخاطر.

ويشكّل الاقتصاد العراقي نموذجاً صارخاً لاقتصاد ريعي يعتمد بصورة شبه كاملة على عوائد النفط، ما يجعله شديد الحساسية لأي تقلب في الأسعار العالمية أو اضطراب في البيئة الإقليمية. ومنذ عقود، وفي ظل سلسلة من الأزمات عاشها البلد العضو في منظمة أوبك وكارتيل أوبك+ ظلّ النفط المصدر الرئيس للإيرادات العامة والعملة الصعبة، وهو ما جعل الموازنة العامة مرتبطة عضوياً بحركة السوق العالمية للطاقة.

وعندما ترتفع الأسعار، تتوسع الدولة في الإنفاق والتوظيف والدعم، وعندما تنخفض، تتكشف هشاشة البنية الاقتصادية وتبرز الاختلالات الهيكلية المؤجلة. ويرى زياد داود كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في بلومبيرغ إيكونوميكس أن معضلة العراق الأساسية تتمثل في تعاظم اعتماده على إيرادات النفط بينما تتراجع أسعاره. وقال في تحليل أوردته وكالة بلومبيرغ وتابعته “الوسطية” أنه “قد تتفاقم الضغوط إثر أي زيادة جديدة في الإمدادات من جانب أوبك+ أو اندلاع حرب إقليمية.” كما تهدد الضغوط المالية بتقويض الالتزام الضعيف أصلاً بحصص إنتاج النفط، والاستقرار الاجتماعي، والثقة في ربط العملة بالدولار.

وتشير تقديرات بلومبيرغ إيكونوميكس إلى أن سعر النفط اللازم لتحقيق التوازن في الموازنة ارتفع إلى 86 دولاراً للبرميل في عام 2025، مقارنةً مع 72 دولاراً في 2021. في المقابل، تراجع متوسط سعر الخام إلى 68 دولاراً للبرميل العام الماضي، بعد أن بلغ 99 دولاراً في 2022. وبسبب اتساع هذه الفجوة قد يعاني العراق من تداعيات معضلتين سياسيتين.

وبحسب دواد فإن المعضلة الأولى تتمثل في زيادة الإنفاق الحكومي، حيث قفزت المصروفات إلى 117 مليار دولار العام الماضي، مقابل 76 مليار دولار في 2021، مدفوعة بشكل رئيسي بارتفاع رواتب القطاع العام والتزامات المعاشات.

وعلى الرغم أن هذه النفقات تسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، لكنها تفرض التزامات قطعية أو غير مرنة تقلّص هامش التكيف عند تراجع إيرادات النفط.

أما المعضلة الثانية فتتعلق بإعادة تقييم الدينار، فالعراق يحافظ على ربط عملته بالدولار، لكنه رفع قيمته في العام 2023. وقال دواد “لأن الحكومة تتلقى إيرادات النفط بالدولار وتنفق بالدينار في الأغلب، يؤدي هذا إلى خفض العائد المحسوب بالعملة المحلية لكل برميل، ما يعزز الاعتماد على إيرادات النفط ويزيد من هشاشة الأسعار أمام انخفاض أسعار الخام”. وكان من الممكن احتواء تزايد الاعتماد على النفط لو كانت أسعار الطاقة مرتفعة.

لكن الأوضاع الخارجية لا تبدو مواتية للعراق، فبعض أعضاء أوبك+ يدرسون زيادة الإنتاج في أبريل. وقد ساهم قرار زيادة الإنتاج العام الماضي بالفعل في تراجع أسعار الخام. ومن المرجح أن تؤدي أي زيادة إضافية في الإنتاج إلى توسيع الفجوة بين سعر النفط اللازم لتحقيق التوازن في الموازنة العراقية والأسعار الفعلية الأدنى في السوق. ويسود إجماع بين المحللين بأن اندلاع حرب بين الولايات المتحدة وإيران يهدد استدامة الاقتصاد العراقي، الذي بالكاد يحاول التعافي من سنوات طويلة من الحروب والفوضى الداخلية.

و أن تداعيات شن ضربة أميركية على إيران قد يؤدي إلى إلحاق أضرار بالبنية التحتية للطاقة في البلاد أو تعطيل ممرات التصدير الرئيسية. وكذلك فإن عرقلة خطوط الملاحة، بما في ذلك مضيق هرمز، ستؤدي إلى تقلص حاد في أحجام الصادرات، الأمر الذي يحرم بغداد من مصدر إيراداتها الرئيسي. وقد يفقد العراق إمكانية الوصول إلى جزء من أمواله حتى لو ظلت إيرادات النفط قائمة. وعادة ما تودع الحكومة العراقية إيرادات مبيعات النفط لدى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي).

وقد أفادت تقارير بأن واشنطن هددت بتقييد الوصول إلى هذه الأموال إذا عيّن العراق رئيس وزراء يُنظر إليه على أنه مقرّب من إيران. وأدت التوترات المرتبطة باحتمال اندلاع حرب مع إيران إلى ارتفاع أسعار النفط، ما عزز إيرادات بغداد مؤقتاً، لكن الخطر الحقيقي يكمن في المرحلة المقبلة، إذ قد يؤدي تصعيد النزاع، أو تعطل الصادرات، أو تحولات في سياسة أوبك+ إلى محو هذه المكاسب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *